الشيخ علي المشكيني
150
دروس في الأخلاق
الصابر أكثر ثواباً من الغنيّ الشاكر ، لكن مراتبهما مختلفة . والظاهر أنّ الكفاف أسلم وأقلّ خطراً من الجانبين « 1 » . والأولى ذكر أدلّة الباب حتّى يتّضح حقيقة الحال ؛ فإنّ الحقّ الحقيق بالاتّباع هو المستفاد من الكتاب والسنّة . فقد ورد في الكتاب الكريم قوله : « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةِ وَالْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَاتَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَلهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا » « 2 » . فقد ورد : أنّ نزولها كان في أصحاب النبي وطائفة من الأغنياء ، فصدرُ الآية ناظر إلى الفقراء من أصحابه صلى الله عليه وآله ، وذيلها إلى الأغنياء في عصره ، حيث استدعوا من النبي أن يطرد الفقراء من عنده حتّى يرغبوا في الإسلام ويجالسوا النبيّ الأعظم ؛ فالفقراء هم الذين أرادوا وجهَ اللَّه ورضوانَه ، وداوَموا على الدعاء والصلاة صباحاً ومساءً ، والأغنياء كانوا عندئذٍ هم الذين أغفل اللَّه قلبهم عن ذكره ، واتّبعوا أهواء هم ، وكان أمرهم فُرطاً « 3 » ، أي : في تجاوز عن الحقّ وتضييع له . ثمّ إنّ النبي صلى الله عليه وآله قال بعد نزولها : « الحمد للَّهالذي أمرني أن أصبر مع هؤلاء الرجال ؛ فمعكم المحيا ، ومعكم الممات » « 4 » . وقال تعالى أيضاً بعد ذكر قولهم : « لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا » « 5 » « تَبَارَكَ الَّذِى إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مّن ذَ لِكَ جَنتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورَما » « 6 » . فيستفاد من حال الكفّار عندئذٍ - كما هو حالهم الآن - أنّ الدنيا وما عليها مِن الزينة لها فضل وكرامة وأصالة في حياة الإنسان ، مع أنّها وجميع ما فيها وعليها ليست إلّامقدّمة لغرض أصيل آخر ، وآلة ووسيلة لتحصيله ؛ فالغنى المذموم عبارة عن الأموال التي ينظر
--> ( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 72 ، ص 34 . ( 2 ) . الكهف ( 18 ) : 28 . ( 3 ) . إشارة إلى الآية 28 من سورة الكهف ( 18 ) : « وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَلهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا » . ( 4 ) . تفسير مجمع البيان ، ج 4 ، ص 62 ؛ بحار الأنوار ، ج 22 ، ص 44 . ( 5 ) . الفرقان ( 25 ) : 7 و 8 . ( 6 ) . الفرقان ( 25 ) : 10 .